أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
151
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وَلِتَصْغى « 1 » أيضا . وقال الشيخ « 2 » هناك : « وهذا اصطلاح غريب » . والذي يظهر أنه إنّما سمّى هذا النحو جوابا ، لأنه يقع جوابا لسائل أن يقول : أين الذي يتعلق به هذا الجار ؟ فيجاب به ، فسمي جوابا بهذا الاعتبار ، وأضيف إلى الجار في قوله : « وَلِيَقُولُوا » جوابه ، لأن الإضافة بأدنى ملابسة ، وإلّا فكلام إمام يتكرر ، لا يحمل على فساد وأما القراءات التي في « دَرَسْتَ » فثلاث في المتواتر ، فقرأ ابن عامر « دَرَسْتَ » بزنة « ضربت » ، وابن كثير وأبو عمرو « دارست » بزنة : قاتلت أنت ، والباقون « دَرَسْتَ » بزنة : ضربت أنت . فأما قراءة ابن عامر فمعناها : بليت وقدمت ، وتكررت على الأسماع ، يشيرون إلى أنها من أحاديث الأولين ، كما قالوا : أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ « 3 » . وأما قراءة ابن كثير وأبي عمرو فمعناها : دارست يا محمد غيرك من أهل الأخبار المضاية والقرون الخالية حتى حفظتهما من نقلتها كما حكي عنهم ، فقال : إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ، لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ ، وفي التفسير أنهم كانوا يقولون : هو يدارس سلمان وعداسا . وأما قراءة الباقين فمعناها : حفظت وأتقنت بالدرس أخبار الأولين ، كما حكي عنهم : وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ، أي : يكرر عليها بالدرس ليحفظها . وقرىء هذا الحرف في الشاذ عشر قراءات أخر ، فاجتمع فيه ثلاث عشرة قراءة ، فقرأ ابن عباس بخلاف عنه ، وزيد بن علي والحسن البصري وقتادة : « درست » فعلا ماضيا مبنيا للمفعول مسندا لضمير الآيات . وفسّرها ابن جني والزمخشري بمعنيين في أحدهما إشكال ، قال أبو الفتح : « يحتمل أن يراد : عفت ، أو تليت » . وقال أبو القاسم : بمعنى : قرئت أو عفت » . قال الشيخ « 4 » : « أما معنى قرئت وتليت فظاهر ، لأن درس بمعنى كرر القراءة متعد ، وأما درس بمعنى بلى وامّحى فلا أحفظه متعديا ، ولا وجدناه فيمن وقفنا على شعره من العرب إلّا لازما . قلت : لا يحتاج هذا إلى استقراء ، فإنّ معناه يحيل أن يكون متعديا ، إذ حدثه لا يتعدى فاعله ، فهو ك « قام ، وقعد » ، فكما أنّا لا نحتاج في معرفة قصور « قام وقعد » إلى استقراء بل نعرفه بالمعنى ، كذا هذا . وقرىء « درّست » فعلا ماضيا مشددا مبنيا للفاعل المخاطب فيحتمل أن يكون للتكثير ، أي : درّست الكتب الكثيرة ، كذبّحت الغنم ، وقطّعت الأثواب ، وأن يكون للتعدية ، والمفعولان محذوفان ، أي : درّست غيرك الكتب . وليس بظاهر ، إذ التفسير على خلافه . وقرىء « درّست » كالذي قبله ، إلا أنه مبني للمفعول ، أي : درّسك غيرك الكتب ، فالتضعيف للتعدية لا غير . وقرىء « دورست » مسندا لتاء المخاطب من « دارس » ك « قاتل » ، إلّا أنه بني للمفعول ، فقلبت ألفه الزائدة واوا ، والمعنى : دارست غيرك وقرىء « دارست » بتاء ساكنة للتأنيث لحقت آخر الفعل ، وفي فاعله احتمالان : أحدهما : أنه ضمير الجماعة أضمرت وإن لم يجر لها ذكر ، لدلالة السياق عليها ، أي : دارستك الجماعة ، يشيرون لأبي فكيهة ، وسلمان ، وقد تقدم ذلك في قراءة ابن كثير وأبي عمرو . والثاني : ضمير الآيات على سبيل المبالغة ، أي : أن الآيات نفسها دارستك ، وإن كان المراد أهلها ، وقرىء « درست » بفتح الدال وضم الراء مسندا إلى ضمير الآيات ، وهو مبالغة في « دَرَسْتَ » بمعنى : بليت وقدمت وامّحت ، أي : اشتد دروسها وبلاها . وقرأ أبيّ « درس » ، وفاعله ضمير النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو ضمير الكتاب ، بمعنى : قرأه
--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية ( 113 ) . ( 2 ) انظر البحر ( 4 / 208 ) . ( 3 ) سورة النحل ، آية ( 24 ) . ( 4 ) انظر البحر ( 4 / 197 ) .